أبي منصور الماتريدي

243

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقال بعضهم : قال يوسف للذي ظن أنه ناج منهما ، بجعل الظن ليوسف ، فإن كان الذي ظن ] « 1 » هو ذلك الرجل ؛ فكان الظن في موضع الظن ؛ وإن كان الظانّ هو يوسف - فهو علم ويقين ؛ أي : علم وأيقن أنه ناج منهما ؛ لأنه لا يحتمل أن يشك فيما يعبر وقد علمه الله تأويل الأحاديث بقوله : وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ [ يوسف : 6 ] ، وقال : ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي [ يوسف : 37 ] . ويحتمل على حقيقة الظن من يوسف ؛ أي : وقال للذي ناج منهما ظن أنه يذكره عند ربه ، وهو على التقديم والتأخير . وقوله - عزّ وجل - : اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ . قال بعض أهل التأويل : إن يوسف لما فزع إلى غير الله [ وطلب إخراجه من السجن من الملك أنساه الله فيه سنين وأقره فيه عقوبة له حين رجا غير ربه لكن هذا بعيد لا يحتمل أن يكون يوسف يفزع إلى غير الله ] « 2 » ؛ ويدفع قلبه عن الله ويشغله بمن دونه ، لكنه رأى - والله أعلم - أن الله - عزّ وجل - جعل سبب نجاته على يديه ، وأنه بقي فيه منسيّا ؛ لما علم أنه لم يكن منه سبب يلزمهم الحبس في السجن ، سوى الاعتذار إلى الناس ، والاعتلال لهم على نفى ما اقترفت به زوجته ، أو لينقطع ذلك الخبر [ عن ألسن ] « 3 » الناس ، ويبعد عن أوهامهم ، فرأى أنه إذا ذكّره ؛ لعله أخرجه من ذلك لما رأى أنه جعل سبب نجاته على يديه ؛ لا أنه رأى ذلك منه ورفع قلبه عن الله . وهكذا جعل الله تعالى أمور الدنيا كلها بأسباب . وعلى ذلك تعبّد عباده ؛ باستعمال الأسباب مع اعتقاد القلب القدر من الله ؛ نحو : ما جعل الأنزال والزراعة بأسباب يكتسبونها ، ونحو الأسلحة التي اتخذت للحرب والقتال بها مما يكثر عدد ذلك ، وإنما يحاربون بالله ، وبه يقاتلون ، ومن عنده ينصرون . وقد أمر بذلك كله وبتلك الأسباب ؛ فقال : وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [ الأنفال : 60 ] ، وليس كل من فعل هذا كان فزع إلى غير الله ، أو رأى النصر والنجاة من ذلك الشيء والسبب ؛ بل رأى ذلك كله من الله ومن عنده ؛ فعلى ذلك يوسف لا يجوز أن يتوهم أنه فزع إلى مخلوق مثله ، ورأى نجاته من عند ذلك ، ولكن للوجه الذي ذكرناه . والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ .

--> ( 1 ) ما بين المعقوفين سقط في أ . ( 2 ) ما بين المعقوفين سقط في ب . ( 3 ) في ب : عن الخلق ألسن .